أخبار عاجلة

بدأت الحرب على الدول المرهونة لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" منذ عام 2011 في إطار ما سمي بالربيع العربي، فدمر ما دمر وهدم ما هدم من بلدان المنطقة وكياناتها وجيوشها حتى وصل إلى سوريا على أساس أن يعبر منها إلى باقي الدول بجولة دائرية جديدة تكمل ما نقص من تطبيق المخطط في الجانب الآخر من المنطقة وخاصة شمال إفريقيا من ليبيا إلى تونس عبوراً بالجزائر وصولاً إلى السودان التي كانت أسهل على ما يبدو على الاختراق بعد تقسيمها وتجهيزها لسنوات عدة لمثل هذا السيناريو بغض النظر عن وضع النظام السياسي الحاكم فيها.

الرئيس السوري، بشار الأسد

© Sputnik . Mikhael Klimentyev

نعم كان أسهل أمام الصمود والقدرة على التماسك الشعبي في البلدان المجاورة جيوسياسياً وجغرافيا تحديداً في والجزائر وهذا لا يعني أن الآخرين مازالوا بعيدين عن خطوط التماس والتقاطع الناري لكل هذا المخطط المسبق والمعد بدقة عالية من جميع جوانبه السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاجتماعية الثقافية والاقتصادية والجغرافية والديموغرافية والتاريخية وكل ما يرتبط بها، نعم لقد حقق هذا المخطط وبالذات بأيدي بعض أبناء هذه الدول، والتي تشكل منها الجيش التكفيري المهجن المتستر بغطاء الدين وستار الإسلام السياسي الذي لا يمت بأي شكل من الأشكال للدين الإسلامي ولا حتى غيره من الأديان فكان الأداة الرئيسية في التدمير، وفعلاً بدأت "الثورة" بتونس تحت اسم ثورة الياسمين ولكنها تحطمت على غصون وأوراق الياسمين في بلد الياسمين سوريا.

مع بداية تنفيذ المخطط الذي بشرت به وزير الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس من بيروت عام 2010 بدأت الأعمال الهيستيرية بعد أقل من عام بوادره الاهتزازات في المنطقة وانتقلت إلى أعمال شغب وذبح وقتل وتفجير وتدمير وسحق ومحق بلا رحمة حتى ترهب الشعوب في هذه الدول، ونالت هذه الأعمال المغطاة بغطاء الحرية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة مانالته من هذه الدول وكان لسوريا الحصة الأكبر.

أصابت دول المنطقة حالة من الهستيريا المعقدة في الشكل والمضمون وحتى الهدف، وفي سوريا كانت هذه الهيستيريا المنظمة المقتضبة تزداد لدى مخرجيها ومنفذيها بين الفينة والأخرى في ظل فشل كل المخططات التي ركبت على حوامل الأزمات المصطنعة والمفتعلة في داخل البلاد قبل الحرب وفي بداياتها وحتى في كل مرحلة من مراحلها، واستطاعت سوريا سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً واقتصادياً وشعبياً أن تصمد صموداً لامثيل له في التاريخ لا يمكن لعاقل أن ينكره، مدعوماً من حلفاء لم يبخلوا على سوريا بالدعم بكافة أشكاله ولو أنه جاء بعد سنوات من بداية محاولة الإبادة لشعب بكامله بأرواحه وتاريخه وأوابده وإقتصاده وجيشه ومؤسساته وإرثه الحضاري والديني الذي لايقدر بثمن ويعتبر الضامن الأساس في وحدة الأرض والشعب السوري بكل أعراقه وأثنياته وطوائفه ومذاهبه.

الحلفاء، من الدول الواعية لما يجري في سورية والمنطقة ككل لم يبخلوا في دعم سورية كما لم تبخل من قبل سورية في علاقتها معهم بأي شيء في أفضل الظروف وأحلكها وعلى رأسهم الروسي الإيراني وماتلاهم من قوى عربية وإقليمية ودولية سواء على مستوى الدول والحكومات أو الحركات والأحزاب والمنظمات، زد على ذلك  القوى الحليفة والرديفة في لبنان والعراق وفلسطين واليمن وباقي الدول العربية يعني حركات المقاومة بمجملها، وبطبيعة الحال نالت هذه الدول النصيب الكبير أيضاً من محاولات الضغط والحصار وإفتعال الأزمات عقاباً لها على الموقف من سورية لكنها لم تتردد لحظة في التفكير بمخاطر تغيير المسار أو البوصلة من الإتجاه الصحيح إلى الخاطئ فثبتت على سمتها وقررت مواصلة المواجهة إلى جانب الدولة السورية لأنها تعلم بعد الحرب على سورية ومآلاته وإرتداداته على الأمن والإستقرار العالمي، فلا ردعتها المخاطر ولا ثنتها المغريات ولم تقع فريسة  المصالح المستدامة ولا الآنية منها.

نعم دفعت سورية الثمن غالياً ومازالت تدفع ومستعدة لأن تدفع أكثر، لأن الدولة السورية على رغم صغر حجمها على الأرض إن نظرنا إليها من الأعلى فسنراها كبيرة جداً وقوية بالدرجة الأولى بشعبها الخزان الأهم لكل هذه المقاومة والصمود والإنتصارات وبجيشها المولود من رحم هذا الشعب وبقيادتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية وبجميع حلفائها.

ليس عيثاً عندما قال الرئيس الأسد بأن من يبدأ الحرب لا يعتقدنّ أنه قادر على أن ينهيها متى أراد ومتى شاء، وأن الحرب على سورية لن تكون نزهة بل ستكون ناراً ستحرق المنطقة والعالم كله إذا ما إمتدت، في الحقيقة لو أرادت الدولة السورية مد هذه الحرب إقليمياً لكان أسهل عليها من فقىء فقاعة صابون، خاصة في ظل التوتر والضياع والجهل بمداميك الأمور وما يخطط  للمنطقة أو بسبب الخوف والإذاعان من قيادات وحكام بعض دول المنطقة، التي كانت تجهز بدقة متناهية لتمرير صفقة القرن وإنهاء القضية المركزية لإستقرار المنطقة من عدمها ألا وهي القضية الفلسطينية، عداعن وجود بيئة مشابه للبيئة السورية في بعض حالاتها والتي لعب عليها الأعداء ونجحوا إلى حد كبير في الداخل السوري، نفس السهل الممتنع موجود في الدول التي شاركت بالإعتداء على سورية، لكن الدولة السورية رغم ما نالته من حرب وقتل ودمار لم تستخدم في ردها وصدها عن نفسها نفس الأسلوب القذر الذي استخدمه الآخرون وتحديداً في تركيا، والعالم بالتاريخ يعي تماماً أن خلق بلبلة وأوضاع غير مستقرة في تركيا كان من أسهل مايكون فيما لو أرادت سورية وليس في تركيا فقط بل في كل دول المنطقة وصولاً إلى أوروبا ولا نغالي هنا أبدا والتاريخ سيحكم يوماً ما ، ومازالت لدى سورية أوراق من هذا القبيل لابل أوراق أشد خطورة منها يعلمها قراء الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ بشكل جيد ومن يعلم بما جمعته سورية وحلفائها من ملفات تستطيع من خلالها خلق أوضاع إقليمية ودولية لاتحمد عقباها لكن سورية وحلفاءها عكفوا عن ذلك رغم وقاحة المعتدي وفقدانه لكل أشكل الأخلاق والتعامل الإنساني والإلتزام بالقوانين والشرائع الدولية هذا إذا ما تناسياً أصلاً القدرات العسكرية المتنامية لحلف المواجهة ضد الدولي وصانعيه وداعميه ، وهذه مأثرة تاريحية تحسب لحلفاء سورية وللدولة السورية وللقيادة السورية وتحديداً للرئيس بشار الأسد الذي آمن بالله وبنفسه وشعبه وجيشه وبحلفائه بأنه على حق ومنتصر ولا ولن يقبل على نفسه إلا أن ينتصر نصراً نظيفاً يكحل التاريخ عينه به ويكون عبرة ودرساً لكل الأمم في أسمى معاني التسامح مع الشعوب البريئة التي لاعلاقة لها بأخطاء قادتها وسياسيها.

بشار الأسد

© AP Photo / Syrian Presidency Facebook page

دماء الشعب السوري ومعه دماء الحلفاء الأوفياء التي روت الأرض كانت حقيقة هي أصل من منع إنتشار الإرهاب في كل المنطقة والعالم وهنا لايمكن أبداً أن ننقص من دور الدماء الذكية التي دفعت وتدفع في العراق ولبنان وفلسطين وتونس ومصر وليبيا واليمن وكانت تخفف الحمل على سورية بين الحين والآخر ومازلت،لكن نعود ونقول أن سورية تبرعت بالدم للقضاء على الإرهاب بأكثر من طاقة أي دولة وشعب في العالم، ومازالت تدفع ومستعدة أن تدفع لأنها كانت تعلم تماماً أن هذه الحرب كانت حرب وجود وإبادة، على أساسها كانت ستتغير خارطة منطقة والعالم كله دون أن الإضطرار إلى حرب عالمية ثالثة معلنة، هذه الحرب وقعت ولكن بجيوش بديلة وبأدوات جديدة كانت معظم دول المنطقة تعيها وفي مقدمتها سورية التي نزعت عن رقبتها كل الحبال التي لفت حولها وبدأ تلفها حول أعناق المعتدين واحداً تلوا الآخر وبدأت بالتركي والحبل على الجرار ويحصل هذا في ظل تصاعد هستيريا الدول المعتدية التي كلما زادت حنقت وكلما حنقت زادت الدولة السورية من صمودها وعزيمتها وقدرتها على الإستمرار في الصمود لأنه كما قال الأسد يوماً "لاخيار أمام سورية وشعبها إلا النصر" وإلا لا سورية بعد ذلك ، وهاهي إيران الحليف الإقليمي المتصاعد في وجه الهيمنة الأمريكية والغربية تلقنهم دروسياً وعبراً في نتائج الاستهانة بالآخر، وتثبت لهم أنه على دول الغرب أن تفكر ملياً قبل أن تخطو أي خطوة رعناء  في المنطقة، فالعالم تغير والتاريخ تغير، ولا مكان لاستعمار قديم أو جديد في المنطقة بعد الآن لو إستمرت المواجهات والحروب إلى مالا نهاية ونقطة على السطر، ومن الواضح أن هذا قرار متخذ ونافذ لا رجعة فيه .

الرئيس السوري بشار الأسد

© Sputnik . Mikhail Voskresenskiy

الظروف والتوازنات تغيرت بشكل هستيري أسرع وأكثر حدة من هستيريا الحرب والقائمون عليها وهنا تكمن الحكمة في الهستيريا أو طريقة التعاطي والتعامل التي بدرت عن سورية وحلفاءها  في مواجه  هستيريا الحكم  والتحكم والسيطرة التي أضاعت أحلام أعداء سورية وجعلتها في خبر كان الأقوى من القوة هو التحكم والأقوى من الأثنين هي القدرة على خلق التوازنات والتحكم بها وهذا ما أتقنته سورية وحلفاءها طوال فترة الحرب سواء على الساحة الداخلية السورية أو على الساحتين الإقليمية والدولية ، والأيام القادمة قد تكون حبلى ليس بالمفاجأة بل بالنتائج الطبيعية لمثل هذا الصمود ألا وهو النصر لكل القوى المناوئة للمخططات الإستعمارية الغربية ومحور الطرد المركزي فيها قلب المنطقة سورية التي قلبت وسيقلب نصرها ليس موازين القوى والردع ويغير نقاط إرتكاز التحكم بالتوازنات فحسب لا بل سيقلب موازين الإستقرار الإستراتيجي للنظام العالمي الجديد المولود من رحم الحرب على سورية بعملية قيصرية أطباءها سوريون وأدواتها سورية وخبراتها إقليمية دولية حليفة لم تعد تقبل أن تكون رهينة عالم القطب الواحد.

 إنتصرت سنابل القمح السوري المحروق بأيديهم الآثمة ليعود وينبت من جوف الصخر والتراب المروى بدماء الشهداء لتعود الحياة إلى روح الأرض بنفس من ضحوا من أجلها وأجل السلام فهم القريبون من نبض الأرض ومن علاهم تستوي القمم .

(المقال يعبر عن رأي كاتبه)

المصدر : SputnikNews

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رئيس الإمارات يهنئ الملك بالسنة الهجرية الجديدة

معلومات الكاتب