أخبار عاجلة

في الذكرى 47 لاغتيال غسّان كنفاني .. الكلمة أقوى من الرصاصة

يامن نوباني من رام الله*

الثلاثاء 09 يوليوز 2019 - 07:00

لماذا قتلوا غسان كنفاني؟ إنه السؤال الذي لا يُسأل، ولا إجابة عليه، وهو أيضا السؤال الذي يُسأل في كل وقت، ويجد الإجابات الكبيرة والواضحة، إنه سؤال اليوم، كما كان قبل، سؤال عام 1972، والإجابة ما زالت نفسها لم تتغير.

غسان لم يطلق النار على الاحتلال، لم يفجر عبوة ناسفة ولم يشارك في خطف طائرة أو جنود، لم يقتحم موقعا عســــكريا، كان يكتب، فهل إلى هذه الدرجة أخاف قلم وفكر كنفاني الاحتلال ومخابراته "الموساد"؟؟!.

عندما لا تستسلم ولا تتراجع، ينتهي مصيرك بمركبة مفخخة أو كمين أو طلقة من كاتم صوت، ليعلو صوتك في الجبال والوديان والتلال والأرياف والمدن وأزقة المخيمات، في الأدب والكتب والأغنيات.

f6721a4fc5.jpg

لم ينفجر جسد كنفاني في بيروت وحدها، ولم تتناثر أشلاؤه في الحقول والبساتين القريبة فقط، بل إنها تعدت كل الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والنقاط الحدودية وإجراءات التفتيش وتعدت أعين المخبرين لتصل إلى فلسطين، كامل فلسطين.

السؤال الآن: كم كان سُيعطي كنفاني لو أنه وصل سن الستين أو السبعين، أو عاش إلى اليوم، أو أنه على الأقل عاش عامًا آخر، وهو الذي كان يُصدر في العام الواحد كتابين أو ثلاثة.

أورثنا كنفاني ما لم يورثه لنا أحد، في الوعي والفكر والأدب، اغتالوه لأنه أفرط في حب فلسطين، ولأنها كانت انشغاله الأول. هل يمر يوم دون أن يكتب فلسطيني أو عربي عن غسان كنفاني، أو يتردد اسمه في فعالية أدبية أو مناسبة وطنية؟ هل يتحدث أحد عن أدب المقاومة والاحتلال والظلم دون أن يأخذ غسان مكانه، في المقدمة دوما؟.

قبل 47 عاما، السبت 8 يوليوز 1972، رحل الإنسان والكاتب المبدع، الراوي والقاص والمسرحي، الفنان التشكيلي والسياسي الرفيع غسان كنفاني، المولود في عكا في 9 أبريل 1936. اتخذت غولدا مائير رئيس وزراء الاحتلال آنذاك قرارا باغتياله وكلفت الجنرال في الموساد زامير آمر بتولي المهمة عبر عملاء الاحتلال في لبنان، ورحلت معه لميس نجم 17 عاما، ابنة شقيقته فايزة التي كانت بمثابة أمه التي رحلت وهي في سن الشباب.

fbcf7d3a76.jpg

استشهد غسان لأن قلمه كان بندقية، بندقية مستقيمة لم تُوجه فوهتها يوما إلا لصدر العدو، وقفل الوطن، لتفتح طريق البرتقال ومراكب الصيادين.

اعتمدت الجبهة الشعبية على كنفاني لإصدار بيانات مفصلية وتاريخية تحتاج إلى وعي سياسي رفيع، قائد سياسي تفوق في الوصول إلى حركات التحرر العالمية والقوى الثورية العالمية، خاصة في النرويج والسويد والدنمارك، وكان تأثير غسان واضحا على الكثيرين من الكتاب والصحفيين، أمثال الكاتب السويدي ستافان بكمان، واستطاع غسان تغيير وجهات نظر الكثيرين إلى الصراع، كما حدث مع الصحفي الدنماركي المؤيد والمدافع عن الاحتلال يانس نانتروفيه، الذي زار غسان في مكتبه وحاوره بطريقة استفزازية، ليقوم غسان بتحميله مراجع تتحدث عن جرائم الاحتلال ومجازر دير ياسين وكفر قاسم، ليعود بانس بعدها بأيام ويتغير شكل الحوار، وبعده بأسابيع قليلة تنشر وكالات الأنباء ما كتبه يانس حول جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين. وكنفاني أول من عرف الجمهور العربي بشعراء فلسطين عام 48 (محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد) وهو من رواد السرد والنثر الفلسطيني والرواية الفلسطينية بالمعنى العميق.

"عندما يصبح فعل الكلمة كفعل الرصاصة"

شقيق غسان، الكاتب عدنان كنفاني، قال لـ"وفا": "عندما يصبح فعل الكلمة كفعل الرصاصة أو أشد تأثيرا، تصبح الأولوية التي ينتهجها العدو قتل الكلمة، وبالتالي يحاول قتل الوعي وروح المقاومة كثقافة ونهج حياة.. ولأن الشهيد غسان كان الأنموذج والرمز في هذا المجال، قتلوه".

روايات لم تكتمل:

وعن كتابات كنفاني غير المكتملة، قال شقيقه: هناك ثلاث روايات كان يعمل الراحل عليها في وقت واحد لم تكتمل، وهي: (الأعمى والأطرش، والعاشق، وبرقوق نيسان)، وكتابات أخرى مشاريع قصص وبحوث ودراسات لم تكتمل. ولو طال به العمر وأكمل كتابة رواية العاشق على وجه التحديد كان حقق ما لم يستطع أي أديب عربي أو عالمي أن يحققه.

0e07a7831d.jpg

ذكريات وقصة شخصية:

هناك أحاديث كانت تجري بيننا، وكان يحرص ألا أنشرها، كان فيها الكثير من الألم والقلق وحديث الذات والآخر والتنظيمات ومسيرة النضال، وكنت أمينا على كتمها، لكنني قررت أن أطرق باب الذاكرة وأتحدث عنها تباعا، وهي الأكثر صدقا وصوابا في الرؤى الاستشرافية التي امتلكها غسان رحمه الله.

غسان الإنسان:

يقول شقيق كنفاني: غسان طاقة عمل هائلة، كان يقرأ بنهم كل ما يقع بيديه، وكان يعمل عملا متواصلا في الكثير من المجالات غير العمل النضالي والإعلامي، وخرج في كتاباته عن نمط الايدلوجيا، هي التي أبقته حيا في ضمير الناس لأنه اختار الحديث عن الناس، الناس المسحوقين والمظلومين والمناضلين بصمت.. دخل بيوت الفقراء، وعاش في القاع الفلسطيني في المخيمات، فبقي خالدا في ضمير الناس. كان مثال الوفي والصادق والمحب، بقي متمسكا بالأهل كبارا وصغارا، وأحب الناس، باختصار كان رحمه الله إنسانا رائعا في كل شيء وفي كل مفصل من مفاصل حياته، وحتى في مرضه وصبره وشموخه.

مكتبة غسان ومقتنياته:

لقد بدأ ظهور إبداع الشهيد غسان وهو لم يزل في عمر الطفولة، وبدأ فنانا تشكيليا وله الكثير من اللوحات الرائعة، وكان شغوفا بتشكيل أشياء من أي شيء يجده بين يديه، ويرسم أي شيء ما دام القلم بين أصابعه.

يقول شقيقه: في بيته حتى الآن نماذج مما كان يصنعه ويشكله من تحف ولوحات وهي رائعة.. وكما قلت إنه كان يقرأ بنهم شديد، ولن تجد مكانا في بيته يخلو من مجموعة كتب متنوعة، لم يسعَ في أي يوم لترتيب مكتبة متعة للناظرين، ولم يكن لديه وقت فراغ، أو يهمه هذا الظهور، لكن، وبعد زواجه من السيدة آني الرائعة، عملت على تنظيم كتبه وشغله وحياته أيضا.. رحم الله الشهيد غسان في ذكرى استشهاده.

04ae6c491c.jpg

مقاتل على جبهة الوعي:

الكاتب والناقد عادل الأسطة، قال لـ"وفا": ربما يثار السؤال: لماذا قتلوا الشعب الفلسطيني؟ في العام 1948 طردت إسرائيل 650 ألفا من الفلسطينيين من ديارهم والسبب واضح: تريد الحركة الصهيونية أرضا بلا شعب أو أرض أكثر وعرب أقل والعربي الجيد في الأدبيات الصهيونية هو العربي الميت، في عام 1948 طردت إسرائيل الناشئة الفلسطينيين الذين لم يقاوموا المشروع الصهيوني، وهذا ورد في أدبيات كتاب إسرائيليين مثل ايلان بابيه، ولو كان الفلسطيني المقاوم للمشروع الصهيوني هو فقط المعرض للقتل والطرد لما قتل كثيرون ولما طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين المسالمين. فكيف إذا كان الفلسطيني ينتمي إلى فصيل سياسي مثل الجبهة الشعبية؟ وكيف إذا كان يقاتل على جبهة الوعي؟ بل وكيف إذا كانت اللحظة التاريخية لحظة مجابهة؟ في 1972 قبل استشهاد كنفاني قامت الجبهة الشعبية من خلال مقاتلين يابانيين بعملية فدائية في مطار اللد، أسفر عنها قتلى وجرحى، فقررت إسرائيل الانتقام من الجبهة الشعبية واختارت غسان كنفاني هدفا لها فقد كان الناطق الرسمي باسم الجبهة. إنها الحرب في الداخل والخارج، هل يضيف المرء إلى هذا أن أدب غسان كنفاني خلق عشرات المقاتلين؟

أعمال كنفاني ما زالت ترافقنا:

وتقول آني كنفاني، زوجة غسان في احد الحوارات التلفزيونية معها: اغتالوا غسان وناجي العلي وغيرهما من الشهداء والمثقفين والمفكرين الكبار، فإن كتاباتهم ورسوماتهم ما زالت ترافقنا وما زالت على قيد الحياة، اغتالوهم لأنهم شكلوا خطرا كبيرا على هذا الاحتلال.

وبحسب كتاب "غسان كنفاني القائد والمفكر السياسي" لبسام أبو شريف: فإن اغتيال كنفاني كان بدوافع سياسية أولا، كون كنفاني أبرز رموز الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في ذلك الوقت، الحزب الراديكالي آنذاك، ويحضر دوره الإعلامي اللافت ومهماته التنــظيمية وعلاقته الشــخصية بجورج حبش.

وعن يوميات كنفاني، يقول بسام أبو شريف: يعمل، ينتج، يقرأ، يكتب، يغرز في جسده إبرة الأنسولين قبل الأكل، وبعد أكثر من عشر ساعات من عمل، يبدأ غسان نمطا آخر من العمل، يلتقي الكتاب والأدباء والصحفيين ليتحاور معهم وليعبر عن تحديه للحياة، على الأقل حياة الغربة عن الوطن، ثم ينشغل ليلا ليقرأ، وعندما يكن منهكا يلجأ لمشاهدة فيلم لا يتطلب تفكير أو دقة ملاحظة، فيلما سخيفا ليرتاح.

8468ab1a73.jpg

في رثاء كنفاني..

من رثاء محمود درويش لكنفاني: "لم تمتَشِق إلا دمكْ. كان دمُكَ مكشوفاَ من قبل أن يُسفَكْ. ومنْ رآكَ رأى دَمَكْ. هوَ الوحيدُ الواضحُ. الوحيدُ الحقيقيُّ والوحيدُ العربيُّ. دقَّ سقفَ الهجرةِ وعادَ كالمطر الذي يهطل فجأة من سماء النُحاسِ على أرضِ القصدير. فهل سمعنا رنينهُ؟ هل سمعنا صداه؟ سمعناهُ يا غسان، فكيف نثأر له؟. وحين نقول فلسطين، فماذا نعني؟ هل فكَّرنا بهذا السؤال من قبل؟ الآن نعرفُ: أن تكون فلسطينيا معناه أن تعتاد الموت، أن تتعامل مع الموت... أن تُقدِّم طلب انتسابٍ إلى دمِ غسان كنفاني. ليست أشلاؤك قطعا من اللحم المتطاير المحترق. هي عكا، وحيفا، والقدس، وطبريا، ويافا. طوبى للجسد الذي يتناثر مدنا. ولن يكون فلسطينيا من لا يضمُّ لحمه من أجل التئام الأشلاء من الريح، وسطوح منازل الجيران، وملفات التحقيق.

اذهبوا إلى اسم غسان كنفاني واسرقوه، أطلقوا اسمه على أي شيء وعلى كل شيء. أطلقوا اسمه عليكم واقتربوا من أنفسكم، من حقيقتكم، تقتربوا من الوطن."

من رثاء بسام أبو شريف لكنفاني: "أنت تعرف كم أعشق كلماتك، كم سرت معك، خلفك، خلفك. كم تمنيت أن أكون أمامك مرة واحدة، أرحل قبلك كي تكتب في رحيلي كلمة واحدة، حرفا واحدا، ولكن لماذا ضننت علي بهذا يا غسان؟"

وعن محاولات الشقيق الأكبر غازي ومعه الشقيق الذي يليه "غسان" الصمود أمام ويلات الحياة ومتطلبات النهوض القاسية، يكتب عدنان: أمام بناء العابد، وهو مجمع المحاكم في ذلك الوقت، اقترح غازي الأخ الأكبر لغسان أن يمتهنوا كتابة العرائض، قائلا: يلزمنا طاولة وكرسي ومحبرة والقليل من الأوراق، ونقبض عشرة قروش عن كل عريضة نكتبها.

وافق غسان، دون أن يكون لديهم المكان والخبرة في كتابة العرائض وأنواعها ومضامينها، إضافة إلى أن المكان لم يكن فسحة مجانية كما تصوروا، فالبلاطات كانت مملوكة لأصحاب المحلات المخصصة ببيع الصحف والمجلات.

f3836c04b9.jpg

ويضيف: صباح اليوم التالي وصل غازي وغسان ومعهما ما يلزم للمهنة، اختارا أفضل الأمكنة وجلسا يتصيدان حاجات الناس الغادين والرائحين.. بعد وقت قليل، حضر الأقوياء/ مالكو بلاط الرصيف.. طارت الطاولة إلى وسط الشارع، وتناثرت الأوراق تحت الأقدام، وعادا للبيت منكسرين.

في اليوم التالي اتفقا مع رضا حليمة صاحب أحد المحال في شارع رامي، مقابل أجرة نصف ما يتقاضيان، عصرا عادا ناثرين أمام والدهما خمسة وعشرين قرشا.

كان غازي، ورغم صغر سنه، يشعر بالعبء الثقيل على والده ويحاول رفع معاناة الأسرة المكونة من 8 أولاد، فعمل في مصنع زجاج إلى أن سقط من يديه لوح مسببا جرحا عميقا في الفخذ أقعده أياما في المستشفى، ثم واجه الخيبة والفشل وهو يحاول العمل في سوق الهال، والشركة الخماسية، وشركة المغازل والمناسج، ومعارض بيع السجاد.

ويسرد: في يوم ماطر عاد غسان إلى البيت باكرا على غير عادته، يحمل الطاولة والكرسي، وابتسامة كبيرة على وجهه، ووضع على حضن أمي ليرة كاملة، وقال فرحا: رجل قروي يحمل ظرف رسالة، لم يجد في المكان المزدحم شخصا يقدر أن يكتب له الاسم والعنوان بالإنجليزية، وحين فعل غسان ذلك بسهولة، سر الرجل وأعطاه ليرة كاملة، اعتبرها غسان كافية لأجرة عمل يوم كامل.

بعدها بفترة قصيرة، ألح غازي على شقيقته فايزة الذهاب للكويت، التي بدورها أحضرت لها "فيزا" عام 1951، وحصل على عمل سكرتير ثالث في وزارة المعارف، وفي 1954 سافر إلى كاليفورنيا، وحصل بعد تسع سنوات على شهادة الهندسة في الميكانيك الزراعي من جامعة "فرسنو-سكرمنتو"، محققا وعده لوالده بأن يعود للبيت والأسرة ويتزوج من فلسطينية.

بعد نجاحه في شهادة "البروفيه"، عمل غسان مدرسا في معهد فلسطين "الأليانس" التابع لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، نهايات عام 1952، ليعلم طلابا من مثل عمره أو يقارب مادة الفنون الجميلة، وكان قبل ذلك قد قدم أوراقه إلى مدرسة تعليم الملاحة الجوية، وفي عام 1954 حصل غسان على الشهادة الثانوية – الفرع الأدبي، وانتسب إلى كلية الآداب- الجامعة السورية.

ff55edfea8.jpg

لاحقا عمل في جريدة الأيام الدمشقية أواسط العام 1955، وفي 12-9-1955 سافر للعمل مدرسا للرسم والرياضة في مدرسة خالد بن الوليد في الكويت، وفي عام 1960 عاد لبيروت ليستقر بها نهائيا، وفي الساعة الحادية عشرة من صباح السبت، 8 يوليوز 1972، انفجرت عبوة تزن 9 كيلوغرامات من مادة الـ"تي إن تي" شديدة الانفجار تحت مقعد سيارته، فاستشهد مع ابنة أخته لميس.

*وفا

المصدر : هسبريس

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق عصام كمال: الأغنية المغربية تتطور .. وأعمالي تركّز على الكيف
التالى مهنيو التصوير يشكون غياب الهيكلة وآفة الاحتكار

معلومات الكاتب