أخبار عاجلة
تركي آل الشيخ يفجر مفاجأة بشأن تكوين فريق جديد -

مؤسس النقد السينمائي: "الفن السابع" يستلهم تقنيات السرد الأدبي

محمد بنعزيز

الاثنين 10 يونيو 2019 - 06:00

كيف يعكس أسلوب الإخراج وبنيته وجهة نظر المخرج؟

في بحثه عن جواب، غيّر أندري بازان نسبَ وأبوة الفيلم من كاتب السيناريو إلى مخرجه. كيف؟

عرّف أندري بازان (1918-1958) الفيلم بأنه حكي قصة بالصور، بكادرات توجد بينها صلات قوية. ووظيفة الكادرات هي تحليل الحدث الذي يُروى. الكادرات هي من عمل المخرج وليست من عمل السيناريست.

لقد رصد بازان الانتقال من اللوحة والصورة الفوتوغرافية إلى اللغة السينمائية التي يشكلها الكادر السينمائي المتدفق، وهو يقارن بين النهر والسينما حين يتحدث عن العمق، عمق النهر وعمق الكادر. وفي هذا الباب يتحدث بازان عن ثورة التقطيع لدى أورسن ويلز (André Bazin Qu’est-ce que le cinéma? cerf PARIS 2010).

وقد ساهم بازان في خلق مجد مخرج "سيتيزن كاين" 1941 لدى عشاق سينما المؤلف، وفعل الشيء نفسه مع فيتوري دوسيكا مخرج فيلم "سارق الدراجة" 1948. ذكر بازان فيلم ويلز 15 مرة في كتابه. وذكر فيلم دوسيكا سبعة وعشرين مرة. وذكر فيلم بايزا Paisa 1948 لروسيليني 21 مرة. وقد أثر هذا في مجد المخرجين الثلاثة.

يستشهد بازان بقول جون كوكتو: "السينما هي حدث يشاهَد من ثقب مفتاح". وبذلك يؤكد على أهمية وجهة نظر من يرى وموقعه. وهو في تأكيده على مسؤولية المخرج يطالب بإخراج غير مرئي، أي تجنب المبالغة في اللعب بالكاميرا والكادرات والمونتاج. ويعرّف بازان المونتاج بأنه جوهر السينما.

حسب بازان، لا يظهر موقف المخرج في تكييف الوقائع وتحريفها لما يناسبه مما يعطي أهمية مصطنعة للحدث، بل يظهر موقف المخرج في انتقاء الوقائع التي تخدم وجهة نظره. وهذا الانتقاء الشديد لموقع الكاميرا هو ما يجعل كل لقطة في الفيلم الإيطالي تحفة في حد ذاتها، وتصبح أعظم عندما تظهر صلتها باللقطات التي تليها. ويخدم التقطيع التقني هذا التوجه الفني.

هذه عينة صغرى من ثراء كتابات بازان، المعلم الأول مؤسس النقد السينمائي. عينة ذات محتوى سينمائي وليس محتوى سيوسيولوجي ونفسي. لا يتحدث بازان عن الواقع الاجتماعي والطابو والعقد النفسية. إنه يتحدث عن قوانين السرد الفيلمي، وهذه المقاربة هي ثمرة سياق ثقافي بنيوي متأثر بالانقلاب الابستمولوجي الذي أحدثته لسانيات دوسوسور.

لقد خلصت اللسانيات النقد من فكّي الفلسفة وأحدثت تغييرا في باراديغم النقد الأدبي. أين يتجلى هذا الأثر؟

يجيب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه "حفريات المعرفة" بالقول:

"حيثما يتعلق الأمر بتحليل اللغة والميثولوجيات أو الحكايات الشعبية أو القصائد الشعرية أو الأحلام أو الآثار الأدبية أو حتى الأفلام، يساعد الوصف البنيوي على إبراز علاقات لم يكن بالإمكان إبرازها لولاه، كما يسمح بتحديد عناصر ارتجاعية، مع أشكال تعارضها ومقاييس تمايزها الفردي، يسمح أيضا بإقامة قوانين البناء والتكافؤ وقواعد التحليل. ورغم بعض التحفظات التي سجلت في البداية، فإننا نقبل الآن بدون حرج بأن لغة البشر، وشعورهم وخيالهم، تخضع جميعها لقوانين البنية" (ص 181_182).

لذلك، حسب فوكو، لم يعد التحليل الأدبي يركز على دراسة روح عصر من العصور، أو ينكب على دراسة "الجماعات" و"الأجيال" و "الحركات"، ولا حتى شخصية الكاتب وتفاعل حياته مع" إبداعه"، بل على البنية الخاصة للأثر الأدبي أو الكتاب أو النص.

هكذا، تم الانتقال من دراسة أيديولوجيا الفن وأبعاده النفسية والاجتماعية إلى دراسة بنية العمل الإبداعي وزمنه، دراسة المتن، سواء كان لغويا أو بصريا. وأجد امتدادا لمنهج بازان النقدي لدى رولان بارت الذي تحدث عن شعرية أدبية جديدة في كتابه "النقد والحقيقة".

يقول بارت إن الشِّعرية الجديدة "لا تسعى بالتالي إلى تفسير ما تعنيه الأعمال الفردية، بل تحاول تبيان نسق المحسنات والأعراف التي تمكن الأعمال من أن يكون لها ما لها من الأشكال والمعاني".

الشكل الفيلمي هو ما يعني بازان، وقد أثر ذلك على مهرجان "كان" الذي يعتبر هيكل الإخراج (la mise en scène).

كتب المعلم الأول أكثر من 2500 مقالة نقدية في ظرف خمس عشرة سنة. وأهم هذه المقالات منشور في كتاب "ما هي السينما؟" وهو غير قابل للتلخيص لأن كل فصل فيه، بل كل صفحة فيها غنى هائل.

مثلا؟

من ذلك جملة غيرتْ مساري شخصيا "تمتص السينما تقنيات الرواية". هذه الجملة زلزلتني أنا الذي قرأت مئات الروايات. كيف تمتص السينما تقنيات السرد الأدبي؟ هذا ما خصصتُ له عشر سنوات دراسة قبل نشر هذا المقال عن بازان.

مثلا؟

هل يمكن أن تحكم على مخرج من فيلم واحد؟ يتحدث بازان عن أسباب نجاح جوهرية وأسباب نجاح عابرة للفيلم (ص243). وفي جميع الحالات، لا بد من صناعة الفرجة. يؤكد أن الفيلم حركة، ويجب على السيناريست ابتكار وضعيات جذابة. بعدها يبدأ عمل المخرج، يجب أن تتْبع الكاميرا الممثل لسبب واضح لأن المتفرج يريد مشاهدة الصعاب التي سيتجاوزها البطل، وهذا يصنع تشويقا وانتظارات دائمين ومفاجآت مستمرة، دون هذا سيهيمن الملل.

يقول بازان إن المتفرج يهتم بالشخصية بسبب ما يقع لها. ويطالب المخرج بأخذ معارف رجل الشارع بعين الاعتبار، هكذا سيسهل على المخرج إيجاد جواب عن السؤال: كيف تُخرج المتفرجين من قاعة السينما وهم في حالة أفضل من تلك الحالة التي دخلوا فيها؟

كان بازان منظرا للسينما الطليعية، ساهم في تأسيس مجلة "دفاتر السينما" 1951، وأثر في مسار مهرجان "كان". كان بازان الأب الروحي لفرانسوا تروفو وللموجة الفرنسية الجديدة.

لم يكتف بازان بتحليل أفلام محددة، بل درس تيارا بكامله، كما في تحليله الفذ للواقعية الإيطالية الجديدة في السينما، وقد خلص إلى سمات محددة:

أولا، سيناريو منظم فيه سيطرة على الزمن. فيه حِبكة شعبية. فيه اعتماد حكاية تستخدم قوانين القص الشفهي. سرد بسيط لكن يقدم الحياة الإنسانية على حافة التراجيديا. وهنا يشير بازان إلى تقاليد الحكي الإيطالية. حكي طريف مشوق موجز وطبعا عميق. (للإشارة المثال الأشهر هو كتاب الدكاميرون 1349 لبوكاشيو، وهو بمثابة كليلة ودمنة إيطالية، إنه السرد السهل الممتنع).

ثانيا، تقديم واقعية محلية ببعد عالمي في قالب جمالي ساحر، واقعية وليس الواقع. والواقعية أسلوب لا موضوع.

ثالثا، يركز السرد على وقائع دالة منتقاة مع احترام منطقها الداخلي والمحافظة على العلاقات السببية بين الأحداث (ص 279)، مما يسهل على المتفرج المساهمة في بناء دلالات الفيلم.

ثالثا استخدام أساليب السرد الروائي في الأفلام، على صعيد تتابع الأحداث، الزمن، التقطيع والعرض، مما يسهل خلق وهم الواقع (créer l’illusion du réel).

رابعا، آنية السيناريو وحقيقة الممثل هما المادة الأولية لجمالية الفيلم الإيطالي (تصوير إيطاليا التي خرجت من الحرب)، مما أعطى أفلاما خالدة ذات بعد وثائقي لفيلم يصور في الشارع وليس في الاستوديو. (إذا كان هيتشكوك يرفض المشاهد الوثائقية، فإن الواقعية الجديدة كانت تفضلها، لذا تجنبت التصوير في الاستوديوهات ونزلت للشارع واستخدمت ممثلين غير محترفين).

خامسا، كثافة الديكور المنتقى وتفضيل أشخاص واقعيين على الممثلين المحترفين، والنتيجة هي تقديم شخصيات ذات وجود حقيقي مؤثر كما فيلم "سارق الدراجة".

سادسا، الحرص على أن يكون أداء الممثل منسجما من جهة مع الديكور، ومن جهة أخرى مع باقي الممثلين المشاركين معه في المشهد. أي الحرص على علاقة تبعية متبادلة بين هذه العناصر، غير مسموح بأن يستقل أي عنصر بالدور.

سابعا حضور البعد الإنساني الثوري. وهذا مصدر رؤية المخرجين الذين يصورون واقعهم بنفس إنساني كوني. وقد قدم بازان مثالين هما بيازا لروسيليني وليالي كابيريا 1957 لإثبات وجود تلك الخصائص.

ثامنا، تقديم صور مشحونة بالدلالات بفضل وجود ثقافة سينمائية قوية في محيط المخرجين، وهو ما عمق نظرتهم الجمالية. مما جعل المخرج الإيطالي شديد الوعي بوسائله الفنية وأسلوبه.

نتيجة لكل هذا، يعترف بازان بأننا نخرج أفضل بعد مشاهدة فيلم إيطالي، بل نرغب في تغيير أشياء عديدة فينا، في حياتنا لأن الفيلم يمكننا من إضاءة تجربتنا، من فهم أنفسنا. وهذه هي وظيفة الفن السابع.

أقترح أن تعمل الجمعية المغربية لنقاد السينما على ترجمة كتاب:

?Qu'est-ce que le cinéma

André Bazin

المصدر : هسبريس

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الفرقة الإسبانية "ريفولفر" تحط الرحال في الرباط
التالى فولان ينبش نوستالجيا البدايات في مهرجان تزنيت

معلومات الكاتب