أخبار عاجلة

مع انطلاق العد التنازلي للانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستعرفها تونس نهاية العام الجاري، بدأت ملامح الخريطة السياسية تتضح، لتكشف عن أقطاب حكم تقليدية تبحث عن توسيع قاعدتها الشعبية.

ومقابل تلك الأقطاب، تظهر تحالفات ومبادرات حديثة الولادة تطرح نفسها كبديل قادر على تعديل موازين القوى وكسب أصوات الناخبين في رابع استحقاق انتخابي يخوضه التونسيون بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011.

تحالفات تبحث من خلالها بعض الأحزاب عن موطئ قدم في المشهد السياسي الراهن الذي يغلب عليه قطبا الحكم التقليدي، حركة النهضة الإسلامية صاحبة التمثيل الأكبر في البرلمان التونسي وحزب نداء ذو التوجه العلماني.

البرلمان التونسي تونس

© AFP 2019 / FETHI BELAID

فمنذ 17 مارس/آذار المنصرم، أعلنت مجموعة قيادات حزبية وشخصيات وطنية عن تشكيل مبادرة سياسية أطلق عليها تسمية "ائتلاف قادرون"، ضمت 200 شخصية مؤسسة وجمعت شخصيات تقدمية وبرلمانيين ووزراء سابقين وجمعيات ديمقراطية وأحزاب سياسية من بينها "الحركة الديمقراطية" برئاسة أحمد نجيب الشابي و"حزب المستقبل" بقيادة الطاهر بن حسين.

وتهدف المبادرة وفقا لمنسقها العام محمود بن رمضان إلى توحيد كل الطاقات الموجودة في القطب الديمقراطي التقدمي الاجتماعي لخوض تجربة الانتخابات ولتقديم أمل جديد للتونسيين عن طريق الابتعاد عن الأطر الجامدة للأحزاب القائمة على المركزية والخروج بالبلاد من الأزمة الراهنة، في ضل مشهد سياسي يتسم بالفراغ وعدم التوازن.

وأضاف بن رمضان في تصريح لـ"سبوتنيك" أن مرشحي الائتلاف للانتخابات القادمة سيكونون من داخل الجهات وسيتم اختيار الشخصية المركزية بطريقة ديمقراطية تختارها مكونات الائتلاف، ومن يفوز في الانتخابات الداخلية الأولية سيتم ترشيحه للرئاسة.

صعود المستقلين

في المقابل يستفيد المستقلون من حالة التشرذم التي تعيشها بعض الأحزاب السياسية ومن تقهقر ثقة التونسيين في النخب الحاكمة، ليعلنوا عن تشكيل "اتحاد المستقلين التونسيين" منتصف أبريل/نيسان المنقضي في حركة التقاء وتجميع تضم شبكة من الجمعيات والشخصيات الوطنية على غرار مبادرة فكرة، نجمة تونس، يحيا الشعب، تونس العزيزة، والتنسيقية الوطنية للمرأة التونسية.

حزب الاتحاد الوطني للمستقلين - انطلاق الموسم الانتخابي في تونس، 2019

حزب "الاتحاد الوطني للمستقلين" - انطلاق الموسم الانتخابي في تونس، 2019

ويعتبر الناشط السياسي معز بوراوي وهو من مؤسسي اتحاد المستقلين في تصريح خاص "لسبوتنيك" أن الطاقم السياسي الراهن أثبت فشله في إدارة شؤون البلاد منذ 2011 إلى اليوم وهو ما تؤكده حالة الاحتقان الشعبي التي تمر بها البلاد على خلفية غلاء المعيشة والارتفاع المشط للأسعار واستفحال البطالة وتجميد الانتدابات في الوظيفة العمومية واستفحال الفساد.

وبين بوراوي أن اتحاد المستقلين  سيشارك وفقا لهذا الأساس في الانتخابات المقبلة على قاعدة تنسيقية وطنية واحدة تجمع كل المبادرات المستقلة الظاهرة على الساحة.

تحالفات ضعيفة

هذه التحالفات تكتسب أهميتها في أنها مبادرات مواطنية تحاول أن تجمع أوسع قدر من المستقلين من أجل محاولة لفك هيمنة الأحزاب السياسية المهيمنة على المشهد الانتخابي كما يؤكد ذلك المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي في حديثة "لسبوتنيك".

ويعتبر الجورشي أنه من الصعب الآن التنبؤ بمستقبل هذه المبادرات، ولكن من المؤكد أنها ستكون إحدى القوى الفاعلة في محاولة للتأكيد على أن الأحزاب، خاصة ذات الثقل والتي حكمت في مرحلة سابقة، في حاجة إلى مراجعة خططها وإستراتيجيتها.

بائع ينتظر الزبائن في سوق ليبيا في بلدة بن قردان

© REUTERS / ZOUBEIR SOUISSI

وأوضح الجورشي أنه إذا نظرنا إلى الأمور بشكل أكثر عمقا فإن هذه المبادرات قد لا تغير المشهد بشكل جذري بسبب أمرين، أولا لأنها ستسهم في توزيع الأصوات وتشتيتها، وثانيا لأن الحكم يجب أن يرتكز على أحزاب سياسية قوية قادرة على تحمل تبعات ومسؤوليات الحكم، خاصة وأن تونس اختارت النظام الديمقراطي شبه البرلماني، وبالتالي البرلمان يرتكز ويستند على أحزاب فاعلة، فإذا ضعفت الأحزاب لا يستطيع المستقلون مهما كانت مبادراتهم إيجابية تعويض الأحزاب.

نشأة حزب تحيا تونس

من جهته يقود حزب "تحيا تونس" المحسوب على رئيس الحكومة يوسف الشاهد منذ أسابيع مشاورات ولقاءات في محاولة للم شمل ما وصف بالعائلة الوسطية توجت بمؤتمر تأسيسي اختتمت أشغاله يوم الخميس المنقضي.

ويراهن القائمون على الحزب على تحقيق أكبر حصيلة من المقاعد البرلمانية خاصة وأن كتلته (الائتلاف الوطني) تمتلك ثاني أكبر تمثيلية في البرلمان بعد حركة النهضة بـ 44 مقعدا متقدمة على حركة نداء تونس التي تراجعت إلى المرتبة الثالثة بـ 41 مقعدا.

حزب تحيا تونس - انطلاق الموسم الانتخابي في تونس، 2019

حزب "تحيا تونس" - انطلاق الموسم الانتخابي في تونس، 2019

حزب جديد ولد من رحم انشقاقات وانقسامات سياسية يصفه رئيس الحكومة يوسف الشاهد أنه "حركة كبيرة تؤمن بالمشروع الوطني الإصلاحي"، داعيا القوى الوطنية الوسطية والحداثية إلى الانضمام إلى المشروع الذي تدافع عنه الحركة.

من جانبه يؤكد النائب عن كتلة الائتلاف الوطني بالبرلمان وأحد مؤسسي الحزب وليد الجلاد في تصريح "لسبوتنيك" أن "تحيا تونس" لا يتأسس على مقاربة الزعيم الواحد رغم أنه يساند بشدة رئيس الحكومة يوسف الشاهد وإنما تأسس انطلاقا من القواعد بعد مشاورات جهوية واسعة خلافا لحزب نداء تونس الذي تأسس من الهرم وتمحور حول الرئيس الباجي قايد السبسي.

ويواجه حزب تحيا تونس منذ تأسيسه انتقادات لاذعة تتعلق أساسا باتهام رئيس الحكومة يوسف الشاهد باستغلال مؤسسات الدولة وهياكلها لفائدة حزبه وسعي قادة الحزب إلى استغلال القاعدة الانتخابية  لحركة نداء تونس باستقطاب اكبر عدد ممكن من المنشقين عنها.

تصدع في حركة نداء تونس

بالتزامن مع ذلك، ما تزال حركة نداء تونس (من الأحزاب الحاكمة) تبحث عن طريق لها في المسار الانتخابي المقبل، في ظل ما تعيشه من انقسامات وصراعات داخلية أفضت إلى ولادة رأسين للحزب، الأول يقوده حافظ قائد السبسي (نجل رئيس الجمهورية) والثاني تقوده مجموعة سفيان طوبال، ليتحول النداء إلى نداءين يبحثان عن مخرج لاستعادة المبادرة وتطويق الخلاف داخل الأطر الحزبية دون اللجوء إلى القضاء.

حزب حركة نداء تونس - انطلاق الموسم الانتخابي في تونس، 2019

حزب "حركة نداء تونس" - انطلاق الموسم الانتخابي في تونس، 2019

فرغم حسم رئاسة الحكومة التنازع الحاصل بين شقي الحزب بإسناد المصادقة على نتائج مؤتمر نداء تونس لسفيان طوبال رئيس اللجنة المركزية للنداء الذي أكد أن قبول نتائج المؤتمر اعتراف رسمي بالقيادة الشرعية للنداء، فإن الخلاف حول شرعية القيادة ما يزال متواصلا بعد توجه مجموعة حافظ قائد السبسي إلى الطعن في منح الشرعية القانونية لسفيان طوبال.

وفي هذا الصدد يقول المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي أن  النداء بدأ خارج التاريخ اعتبارا لفقدانه مقومات الحزب القادر على استقطاب جزء كبير من الرأي العام في تونس، فحزب النداء تحول في قواعده إلى أطراف خرجت منه لتنظم إلى حزب "تحيا تونس" الذي أصبح يعيش ويتغذى من النداء القديم.

واعتبر الجورشي أن الحديث عن النداء كحزب سيعدل السياسات وسينافس حركة النهضة أصبح يفتقر إلى الواقعية، وبالتالي فإن الحديث يتمحور أساسا عن حزب "تحيا تونس" ومدى قدرته على الدخول في مفاوضات مع حركة النهضة.

مسار تقليدي للمعارضة

مقابل ذلك، تصارع أحزاب المعارضة في تونس من أجل البقاء في التركيبة السياسية ولو صوريا، باعتبار تمثيليتها المحتشمة في البرلمان والتي تترأسها كتلة الجبهة الشعبية (ائتلاف ذو توجه يساري) بخمسة عشر مقعدا، والتي شهدت بدورها في الآونة الأخيرة صراعات داخلية بسبب الصراع القائم حول مرشحها للانتخابات الرئاسية بين ناطقها الرسمي "حمة الهمامي" والنائب عن كتلتها بالبرلمان "منجي الرحوي.

وفي هذا السياق يؤكد المنسق العام لحزب "القطب" رياض بن فضل أن وضع اليسار التونسي في أسوأ حالاته".

يحمل الناس أعلامًا وهم يحتجون على رفض الحكومة رفع الأجور في تونس العاصمة

© REUTERS / ZOUBEIR SOUISSI

وبما أن حزب بن فضل يعتبر من ضمن مكونات الجبهة الشعبية التي تجمع ستة أحزاب متفاوتة الحجم والأهمية ، فقد اعترف بأن الجبهة لا يمكن أن تتواصل على مثل هذه المنهجية في العمل، وأنه "بعد سبع سنوات من تأسيس الجبهة الشعبية، يجب التفكير في تغيير آليات العمل صلبها"، ولوح بانسحاب حزبه إذا لم تغير الجبهة اختياراتها وأولوياتها.

وأمام حالة التشتت التي يعاني منها اليسار التونسي، تسعى أحزاب أخرى، وعلى رأسها حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي، إلى مزيد تثبيت قدمها في الخارطة السياسية مستخدمة في ذلك خزانا انتخابيا قديما، مكّنها من تسلم مقاليد الحكم في أول انتخابات شهدتها تونس بعد الثورة 2011 ومن البقاء كرقم سياسي داخل البرلمان التونسي.

المصدر : SputnikNews

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق التقدميون يتدارسون مخرجات "مناظرة الجبايات"
التالى رمضان يغيب نوابا عن لقاء دراسي في البرلمان

معلومات الكاتب