أخبار عاجلة

سرايا بوست / صدقة "جارية" في سرير حسن البنا.. قصة فضائح الإخوان الأخلاقية من عابدين لطارق رمضان

حازم حسين

 

سنة كاملة من المناورة عاشها حفيد مؤسس جماعة الإرهابية، في واحدة من أكثر الأزمات والفضائح الأخلاقية التي شهدتها الجماعة حدّة وتأثيرًا، مع ثبوت وقائع اغتصاب عديدة بحق طارق رمضان.

يُعرف طارق بأنه أحد الوجوه الفكرية البارزة في التنظيم الدولي للإخوان، وهو ابن سكرتير حسن البنا في الأربعينيات، سعيد رمضان، الذي تزوّج وفاء ابنة "البنا" وأنجب منها ولدين، طارق الذي يعمل حاليا أستاذا للدراسات الإسلامية ويحمل الجنسية السويسرية، وهاني الذي يعمل في مجال الدراسات الإسلامية ويرأس ما يُعرف بـ"مركز جنيف الإسلامي" وطردته فرنسا في العام الجاري بعدما قالت داخليتها إنه "يُشكّل تهديدًا خطيرًا للنظام العام في البلاد".

بدأت فضائح طارق رمضان قبل سنة من الآن. كان الأمر مُتداوَلاً في السابق على نطاقات ضيقة وبشكل غير رسمي، لكنه في أكتوبر الماضي أصبح مُعلنًا ومُثارًا على نطاق واسع وبشكل قانوني. ومنذ اللحظة الأولى حاول "رمضان"، بما يملكه من شهرة وما توفر له من دعم مباشر من الإخوان وتنظيمهم الدولي، قفز هذه الاتهامات ووضعها في مربّع التشهير والترصّد السياسي، لكن باءت كل هذه المحاولات بالفشل مع تعقّد المشهد، وتوفر أدلة وشواهد جديدة على إدانته في الجرائم المنسوبة إليه.

وفاء حسن البنا والدة طارق رمضان
وفاء حسن البنا والدة طارق رمضان

 

حفيد حسن البنا يعترف

رغم شهور المناورة والكذب، اضطر حفيد حسن البنا مؤخرا للاعتراف بإقامته علاقات جنسية مع سيدتين ممن تواتر ذكرهما ضمن أُخريات تحدّثن عن تعرضهن للاغتصاب والانتهاك الجنسي من جانبه. وتزامن هذا الاعتراف مع رفض القضاء الفرنسي إخلاء سبيله، وهو الرفض الرابع الذي يحصل عليه منذ توقيفه على خلفية هذه الاتهامات.

في سياق المراوغة ومحاولة الالتفاف على القضاء الفرنسي ومسار التحقيق والمساءلة، ادّعى طارق رمضان ودفاعه أمام جهات التحقيق أن العلاقات المذكورة جرت بقبول من الأطراف الأخرى وفي إطار "حالة رضا" كاملة. ونقلت شبكة "سكاي نيوز" عن محاميه، إيمانويل مارسيني، قوله عقب إحدى الجلسات في محكمة بالعاصمة الفرنسية باريس إن "الرسائل النصية المُتبادلة بين رمضان والسيدتين تثبت كذبهما، وتؤكد أن العلاقات كانت بالتراضي". وتأتي هذه المناورة على ما يبدو للهروب من اتهامات الاغتصاب والانتهاك الجنسي، بعدما بات ثابتا أن علاقة جمعت "رمضان" بالمدعيات.

على الجانب الآخر قال محامي إحدى السيدتين، هند عياري و"كريستل"، إن طارق رمضان يمارس الكذب منذ 11 شهرا. ويشير مسار القضية إلى أن أكاذيبه نجحت بالفعل في تعطيل مساءلته، إذ أُثير الأمر في أكتوبر الماضي لكن لم تتحرك السلطات الفرنسية لتوقيفه إلا في الثاني من فبراير الماضي، ومنذ هذا التاريخ تقدم "رمضان" بأربع طلبات لإخلاء سبيله، كان آخرها اليوم، لكنها رُفضت جميعًا. وفسّرت "سكاي" نيوز في تقريرها سرّ اعترافه بإقامة علاقة مع سيدتين من المدعيات، أنه اضطُرّ لهذا الأمر بعد الكشف عن مئات الرسائل الهاتفية المتبادلة مع الضحايا.

هند عياري تمسك كتابها عن طارق رمضان

هند عياري تمسك كتابها عن طارق رمضان

 

في مارس الماضي انضمت سيدة ثالثة للمدعيتين اللتين تخوضان صراعا قانونيا مع طارق رمضان أمام القضاء الفرنسي. وقالت السيدة عقب تحريكها دعوى بحقه إن "رمضان" اغتصبها 9 مرات في باريس وبروكسل ولندن بين العامين 2013 و2014. بعد ذلك شهدت القضية انضمام سيدة رابعة لقائمة المُدّعيات بالتعرض لانتهاكات واعتداءات جنسية من حفيد حسن البنا، والتي قالت إنها تعرضت للاغتصاب من قِبَله في جنيف بسويسرا.

في تقرير أذاعته قناة "فرانس 24" الفرنسية، قيل إن نتيجة فحص الخبراء والفنيين لهاتف طارق رمضان وحاسبه الآلي كشفت عن أدلة وشواهد تنسف الرواية التي قدمها دفاعه لجهات التحقيق، وتضمنت نفيًا كاملا لإقامة أية علاقات مع المدعيات. بينما أكدت نتائج الفحص بحسب تقرير الخبراء الذي وصل للجهات القضائية في سبتمبر، أن هناك محادثات ورسائل هاتفية متبادلة بين "رمضان" والضحايا، تنسف مزاعم دفاع المتهم بشأن براءته من الاتهامات التي تلاحقه.

 طارق رمضان حفيد البنا والمتهم في قضايا اغتصاب

طارق رمضان حفيد البنا والمتهم في قضايا اغتصاب

 

هند عياري و17 سنة من الإهانة

أشهر المدعيات في قضية طارق رمضان هي هند عياري، الفرنسية من أصل مغربي (41 سنة). والتي فجرت القضية بشكل مُعلن في أكتوبر من العام الماضي.

جاءت هند عياري من خلفية سلفية ثمّ تحوّلت لاحقا للعلمانية وتبنّت قضايا المرأة والحريات، والآن ترأس جمعية باسم «المتحرِّرات». في فترة انتمائها السلفي مطلع الألفية تعرّضت لعملية تحرش واعتداء جنسي من بروفيسور إسلامي مشهور، بعد ندوة له في العاصمة الفرنسية باريس.

سكتت "عياري" عدة سنوات ثم أصدرت كتابا في العام 2006 باسم «اخترت أن أكون حرة» منحت فيه المتحرش اسمًا مُستعارًا «الزبير»، ثم سكتت مرة أخرى قرابة 11 سنة، قبل أن تُصرّح بهوية مغتصبها ضمن موجة التدوينات التي جاءت مع تفجر فضائح التحرش في هوليود والوسط السينمائي الأمريكي وانطلاق هاشتاج #METoo للتدوين عن الأمر. وكانت المفاجأة التي فجرتها هند أن البروفيسور المتحرش، أو الزبير، هو طارق رمضان حفيد حسن البنا.

هند عياري وطارق رمضان

هند عياري وطارق رمضان

 

تقدمت السيدة ذات الأصول المغربية بشكوى رسمية للنيابة في مدينة روان الفرنسية، بحسب ما نشره موقع «فرانس 24» في أكتوبر 2017، والذي قال في تقرير له إنه اطّلع على نص الشكوى مُتضمّنًا اتهام طارق رمضان بارتكاب جرائم اغتصاب واعتداءات جنسية وأعمال عُنف مُتعدِّدة وتحرّش وتهديد بحق "عياري". التي قالت من جانبها إنها تأخرت في الكشف عن هويته والتصريح بتفاصيل الجرائم التي مارسها بحقّها، لخوفها من التهديدات والضغوط التي تلقتها من طارق رمضان نفسه ومن وجوه بارزة بالجماعة وتنظيمها الدولي، وإنها رضخت لهذه الضغوط في ظل حيثيته الكبيرة وحضوره البارز بالجماعة، واحتمال أن تكون هذه التهديدات جدّية في إطار دفاع الإخوان عن أحد كوادرهم المؤثرة.

في البداية تعامل طارق رمضان مع الأمر بقدر من المناورة، نفى تورّطه فيما يُنسب إليه بشكل كامل، وقال إنها محاولة لتشويه صورته، وفي المسلك نفسه سارت عناصر الإخوان ووجوه بالتنظيم الدولي، مُدّعية أن الجرائم المنسوبة لـ"رمضان" مجرد محاولة للنيل من أحد الوجوه الفكرية للجماعة، وإلصاق اتهامات وصفتها بـ"الباطلة" به بغرض استهداف أصوله العائلية وتشويه الجماعة بالزج باسم جدّه في الأمر، لكن مع توالي الوقائع وتكشّف الحقائق بدا واضحًا أن الأمر ليس مُختلقًا، وأنه لا يتوقف على واقعة هند عياري. هنا صمتت الجماعة وعاد طارق رمضان ومحاموه خطوة إلى الخلف، لتتابع أنباء الفضائح مع الإيغال في التحقيقات بشكل أكبر.

 حسن البنا مع أبنائه

حسن البنا مع أبنائه

 

الجد المؤسس يبدأ مسار السقوط

في سنة 1945 بدأ انتشار شائعات في أوساط الإخوان عن علاقات فاضحة تجمع عبد الحكيم عابدين، زوج أخت حسن البنا وسكرتير عام الجماعة، بعدد من الأخوات وزوجات وشقيقات الأعضاء. تفجرت الشرارة من خلال 4 شكاوى قدمها 4 من أعضاء الجماعة: حسين سليمان، وفهمي السيد، ومحمد عمار، وزكي هلال، قالوا فيها إن «عابدين» ينتهك أعراضهم ويزور بيوتهم في غيابهم.

جذر الموضوع كان مع استحداث عبد الحكيم عابدين لنظام «التزاور»، وتكليف حسن البنا له بتنظيمه والإشراف عليه، ولقاء أعضاء الجماعة في بيوتهم، وحل المشكلات الأسرية بين الأعضاء وزوجاتهم، لكن شخصية "عابدين" المُغرمة بالنساء، وربما تصوّراته عن نفسه كرجل لا يُقاوَم، كانا سببًا في استغلاله هذا الامتياز للتقرّب من الأخوات بشكل مُبالَغ فيه، ودخول علاقات عاطفية وجنسية معهن.

حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان في حشد من أنصاره

حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان في حشد من أنصاره

 

انفجرت الفضيحة في وجه الجماعة، لكن حسن البنا حاول المراوغة وإغلاق الموضوع، وفي الوقت نفسه تصدّى أحمد السكري، النائب الأول للمرشد العام - والمؤسس الحقيقي للجماعة بحسب مؤرخين كُثر – لمحاولة تسوية الأمر بشكل ناعم، وتبنّى الشكاوى، وتشدّد في فتح الملف وإثارة التحقيق فيه. وتحت الضغط الفضيحة واتّساع مجالها رضخ "البنا" وشكّل لجنة تحقيق ضمّت: أحمد السكري، وصالح عشماوي وكيل الجماعة لاحقًا، وحسين بدر عضو مكتب الإرشاد، وإبراهيم حسن، وحسين عبد الرازق، وأمين إسماعيل عضو مكتب الإرشاد وسكرتير تحرير صحيفة «الإخوان المسلمين».

انتهت اللجنة الرسمية جدًّا، بعد التحقيق الشامل في الوقائع المُثارة، إلى نتيجة واضحة ضمّنتها في تقرير رسمي - نشرته صحيفة «صوت الأمة» الناطقة باسم حزب الوفد وقتها في الصفحة الثالثة من عددها الصادر في 19 أكتوبر 1947 - مفاده ثبات التهمة بحق عبد الحكيم عابدين، أو بحسب نص التقرير «موقف هؤلاء الإخوة - يقصد الشاكين الأربعة - سليم من كل وجهة، واقتنعت اللجنة اقتناعًا كاملاً بما توفّر لديها من بيانات، سواء من طريق الأربعة المذكورين، أو من طريق غيرهم ممّن تقدّموا إليها من الإخوان، بأن الأستاذ عابدين مُذنب، خصوصًا إذا أضفنا إلى ذلك اعترافاته إلى بعض أعضاء اللجنة».. وأوصت اللجنة في تقريرها بالإجماع بفصل "عابدين" من الجماعة، ونشر القرار، والعمل على مداواة الجروح التي تسبَّب فيها.

حسن البنا مع أتباعه من مؤسسي الإخوان
حسن البنا مع أتباعه من مؤسسي الإخوان

 

حسن البنا يتحدّى الجميع

إدانة "عابدين" في وقائع زيارة المنازل ومرافقة الأخوات وثقتها شهادات أخرى عديدة، منها كتاب محمود عبد الحليم «الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ» الذي أورد فيه حكاية صداقة عبد الحكيم عابدين لأحد شباب الإخوان، وإقامة علاقة سرية مع شقيقته، واستقالة الشاب من الجماعة وإعلان براءته منها لحين بتر "عابدين". لكن هذا الطلب لم يجد صدى لدى حسن البنا، فظل عابدين في موقعه وغادر الشاب الجماعة غير مأسوف عليه. وبجانب هذه الواقعة هناك شهادات عن اعتراف حسن البنا بتلقّيه شكاوى شخصية من أعضاء وعضوات ضد زوج أخته، ويقينه من إدانته، ومطالبته بتمرير الأمر مع وعد بفصل "عابدين" بعد هدوء الأمور. وهي الاعترافات التي قالها في حضور أعضاء لجنة التحقيق وغيرهم من رموز الجماعة ووجوهها البارزة.

واجه حسن البنا بسبب موقفه المائع رفضًا شرسًا من أحمد السكري، وبين الميوعة والرفض اضطر مؤسس الإخوان لتشكيل لجنة تحقيق ثانية، في محاولة للالتفاف على القرار السابق والتماس أيّة ثغرة لتبرئة "عابدين". ضمت اللجنة الجديدة: إبراهيم حسن، وخالد محمد، وأعضاء من خارج الجماعة، لكنها توصّلت هي الأخرى لنتائج مطابقة لتقرير اللجنة الأولى، وأدانت عبد الحكيم عابدين، فما كان من حسن البنا إلا أن أغلق الموضوع وتجاهل القرارات وهدّد الجميع بعرض الأمر على اللجنة التأسيسية. كان التهديد خطوة "شمشونية" النزعة، أقرب إلى التلويح بهدم المعبد على رؤوس الجميع، أو ربما اعتبرها الرجل تصعيدًا كافيًا لتخفيض حرارة الخصوم، ليختلس وقتًا يسمح له بالتأجيل والتسويف وإغلاق الملف بعد تصفية زعمائه والمتشددين بشأنه.

أحمد السكري وكيل الإخوان الأسبق ومؤسس الجماعة الحقيقي

أحمد السكري وكيل الإخوان الأسبق ومؤسس الجماعة الحقيقي

 

استمر أحمد السكري في معارضته لموقف "البنا" وميوعته الأخلاقية والإدارية، فكتب مقالا في الأهرام عن الفضيحة وتفاصيلها وموقف المرشد العام، فما كان من حسن البنا إلا أن أرسل له رسالة حادة اللهجة، لوّح فيها بتحريض الصفّ عليه والإيعاز لهم بتأديبه، وهدّد بقتله بنفسه إذا لم يتوقّف عن إثارة الموضوع، ومع تعقُّد الفضيحة وصدمة العلاقة التاريخية بين الصديقين لدرجة انتهائها بسبب انفلات الصهر وسعاره الجنسي، استقال "السكري" من الجماعة، فأصدر حسن البنا بيانا مُصطنعًا يتهم فيه صديقه القديم بالتورّط في علاقات مشبوهة مع حزب الوفد، في وقت كان "البنا" نفسه متورّطًا حتى أذنيه في علاقات فاضحة وفادحة ومشبوهة وتزكم الأنوف مع القصر، ويوسف رشاد طبيب الملك ومؤسّس "الحرس الحديدي"، إلى حدّ أنه صاغ بنفسه مانشيت أحد أعداد مجلة الإخوان المسلمين بعبارة «الله مع الملك» ردًّا على عنوان للوفد بعد فوزه في إحدى الانتخابات قالت فيه صحيفة الحزب «الشعب مع الوفد».

النتيجة النهائية التي وصلت لها الأمور بعد مراوغات حسن البنا والتفافه المتكرر وتهديده للسكري وغيره من الخصوم، أن خطته لإغلاق الملف والتستّر على الفضيحة الأخلاقية لصهره حققت غايتها، وظل عبد الحكيم عابدين سكرتيرًا عامًا للجماعة حتى قرار حلّها بعد اغتيال النقراشي في العام 1948، فخرج من للحج في العام 1954، وخلال وجوده خارج البلاد وقعت محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، فظل بالخارج حتى 1975، وبعد صفقة الرئيس الراحل أنور السادات مع الإخوان وخروجهم من السجون عاد من غربته الاختيارية، وعمل مع مرشد الجماعة عمر التلمساني، وظل قائدًا ورمزًا في أروقة الإخوان حتى وفاته في 1977، ودُفن الرجل باحتفاء شديد كقطب تنظيمي وروحي، رغم انتهاكه لأعراض الأخوات وإقامته علاقات غير شرعية معهن، وظُلمه للشيخ المؤسِّس أحمد السكري.

طارق رمضان حفيد حسن البنا مؤسس الإخوان

طارق رمضان حفيد حسن البنا مؤسس الإخوان

 

جماعة ساقطة حفيدا عن جدّ

في كتابها الذي يحمل اسم «اخترت أن أكون حرة»، والصادر عن دار فلاماريون الفرنسية في العام 2006، قالت هند عياري إن طارق رمضان استغل هشاشتها كسيدة سلفية، ولمّا استجمعت شجاعتها وصرخت في وجهه شتمها وضربها وواصل اعتداءه البدني والجنسي عليها. بما يشير إلى قصدية وتعمّد، وربما إلى اعتياد هذه الممارسات لدرجة رباطة الجأش والقدرة على إنجازها بغضّ النظر عن ردّ فعل الطرف الآخر وحجم ما يشعر به من أذى أو يبديه من مقاومة، وهو ما يؤكد صدق الاتهامات الشبيهة التي تلاحق حفيد مؤسس الجماعة الإرهابية.

الشاهد في القصتين، قصة عبد الحكيم عابدين وفضائح طارق رمضان - وبعيدا عن المسار القانوني في الحالتين، سواء تحقيقات الجماعة ونتائجها المائعة أو موقف النيابة الفرنسية وما ستؤول إليه أمور المحاكمة - أن البُعد الديني كان غطاء مباشرًا لممارسة جنسية مُنحرفة وعدائية، وهذا الأمر يبدو مُنطلَقًا ثابتًا لدى أغلب التيارات الدينية الممارسة للسياسة، والتي تُوظِّف الخطاب العقدي وما يُنتجه من دوائر قوة وهيمنة لمراكزه الفكرية أو الحركية، في كسر وتسخير وإخضاع المُناوئين، أو حتى التابعين والواقعين في دوائره وعلى خطوط التماس معه. بمعنى استغلال المراكز المعنوية والروحية لاتي يوفرها هذا الخطاب لمتزعّميه، بغرض الحصول على منافع شخصية، قد تبدأ بالمنافع المالية والمزايا المادية، وتتصل حتى تطال المخالفات القانونية والجرائم الجنائية.

بشكل أو بآخر سمح حسن البنا لصهره عبد الحكيم عابدين بالسطو على شرف أعضاء الجماعة والاستمتاع بالأخوات، والآن يستغل حفيده وجاهة الخطاب الديني ومركزية وتشعُّب أطراف الإخوان في استجلاب الضحايا وقمعهن. مارس "عابدين" هذا الأمر مع عشرات الإخوان ونجا بأفعاله بفضل تواطؤ صهره "البنا"، ومارسه طارق رمضان مع هند عياري خلال إحدى زياراته لفرنسا، ومع أكثر من ثلاث ضحايا أُخريات ترددت قضاياهن بين فرنسا وبريطانيا وسويسرا، ويُمكن تخيّل أن شخصًا بهذه الغطرسة والإصرار كرّر ممارساته الإجرامية بكثافة في مقر إقامته في سويسرا، أو في لندن التي يتردّد عليها كثيرًا بحكم أنها معقل التنظيم الدولي، أو باعتباره أستاذا زائرا في جامعة أوكسفورد ومحاضرا في كامبريدج.

سعيد رمضان والد طارق وزوج ابنة حسن البنا
سعيد رمضان والد طارق وزوج ابنة حسن البنا

 

جماعة تخاصم الدين والإنسانية

الإخوان جماعة تأسَّست على دعائم خطاب ديني مركزي مُغلق ومُتغطرس، استحلّت من خلاله الدماء والأعراض، يتساوى دم الإخواني سيد فايز الذي قتلوه بعُلبة حلوى مفخّخة في المولد النبوي ضمن حلقات صراع داخلي قذر، مع دماء غير الإخوان من السياسيين والمفكرين والأمنيين وعوام المواطنين، وتتساوى فيه أعراض الأخوات ونساء الجماعة التي انتهكها صهر حسن البنا، مع هند عياري وغيرها ممن انتهكهن حفيد البنا. يمكن القول إن السياقات مندمجة تقريبًا إلى درجة عدم القدرة على فصل القُوادة عن ، وربما يكون هذا الأمر قائمًا حتى الآن وفق الحكايات المتواترة عن شجارات وفضائح واتهامات جنسية في معاقل التنظيم الجديدة، بقطر وتركيا وماليزيا والفلبين والسودان وغيرها. ربما يكون الأمر مرتبطًا بصراعات داخلية على مناسب ومكاسب، تُترجم إلى تجاوزات أو اتهامات متبادلة، وربما يرتبط بخلل تأسيسي في الخطاب الإخواني وهيكل الجماعة ورؤاها وطرق تربيتها لعناصرها. لكنه في كل الأحوال يُشير إلى أوهام ذاتية تملأ أدمغة الإخوان حول فحولتهم الجنسية وحقهم الشرعي في الاستمتاع بأجساد النساء، بعيدا عن ضوابط القانون أو مُحدّدات الشرع.

في الفترة الأخيرة لا تتوقف فضائح الإخوان داخل مصر وخارجها. بين اتهامات بالفساد المالي وصراعات على مراكز السلطة والنفوذ والثروات، أو انتقاد للقيادات وهروب من الجماعة بأشكال عديدة وصلت إلى تغيير الدين. أو جرائم أخلاقية وأحاديث مشبوهة واتهامات متبادلة عن تبادل زوجات وعلاقات غير شرعية واستغلال للنساء، وصل بعضها لتقديم شكاوى في قسم شرطة "تقسيم" التركي، بأسماء وجوه عديدة من الجماعة وحلفائها، كان أبرزهم الكادر الشهير "ع. ع".

في الغالب لن ينجو طارق رمضان من المساءلة، ربما يستطيع تسوية بعض الأمور، لكن على الأرجح سيُدان في أمور أخرى. يمكن القول إن حظ عبد الحكيم عابدين الذي توفر له دعم كامل وقوي من مؤسس الجماعة حسن البنا، في مناخ داخلي من الاضطراب السياسي وسهولة اختراق القانون، لا يتوفّر لـ"طارق رمضان" الذي أُثيرت فضائحه في سياق غربي منضبط وحادّ وغير مُتسامح مع قضايا الاستغلال الجنسي، وفي مناخ عالمي لم يعد يُمكن فيه تغييب هذه النوعية من القضايا أو إخفاؤها. سيلقى طارق رمضان مصيرًا سيُحدّده القانون، لكن بعيدًا عن طبيعة هذا المصير، فإنه سيلقى جدّه وزوج جدّته (شقيقة الجدّ) في مكان واحد. وسيظل الثلاثة تجسيدًا حقيقيا وكاملا لحجم التردي والسقوط والتفسخ الأخلاقي في صفوف الإخوان. الجماعة التي لا تخاصم الدين، وتخاصمها الدنيا.

المصدر : صوت الامة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق سرايا بوست / عن علاقته بالشيخ محمد بن زايد.. الرئيس السيسي: «حبيبى وأخويا»
التالى سرايا بوست / بوابة التحالفات الاقتصادية العالمية.. تعرف على مشروع ميناء شرق بورسعيد (فيديو جراف)

معلومات الكاتب